|
الخاطرة الثامنة :
الفرح بالعيد لتخلصهم من رمضان
يعتقد كثير
نم الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه
و التخلص منه، لأنه يحول بينهم و بين ملذاتهم و مشتهياتهم،
و يفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، و
اعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر جبس و
حيلولة بينهم و بين ما يشتهون، و قد يستشهد بعضهم بقوله
تعالى: ((و حيل بينهم و بين ما يشتهون))(سبأ:54).
قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم
آخر شعبان قال: و لربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان
يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن
تمنع من ذلك بالصيام، و لهذا يقولون هي أيام توديع للأكل،
و تسمى تنحيساً و اشتقاقه من الأيام النحسات.. و ذكر أن
أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، و هذا
كله خطأ و جهل ممن ظنه، و لربما لم يقتصر كثير منهم على
الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، و هذا هو الخسران
المبين، و أنشد لبعضهم:
إذ العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهــار
و لا تشرب بأقداح صــغار فإن الوقت ضاق على الصغار
و قال آخر:
جاء شعبان منذراً بالصيام فاسقياني راحاً بماء الغمام
و من كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله
تعالى: ((و لقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الإنس لهم
قلوب لا يفقهون بها))(الأعراف:170) الآية، و ربما تكره
كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان
يسبه، و كان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر و لا صمت شهراً بعده آخــر
الدهـر
فلو كان يعديني الأنام بقــــدرة عن الشهر لاستعديت جهدي
على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، و مات
قبل أن يدركه رمضان آخر.
و هؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه،
فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، و لا يجتنب كبائر
الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد
الأيام و الليالي ليعود إلى المعصية، و منهم لا يقوى على
الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ.هـ. هكذا ذكر ابن
رجب رحمه الله عن أهل زمانه و من قبلهم.
و لا شك أن الدين يزداد غربة و الأمر في شدة، و الكثير من
هؤلاء الذين يتوقفون ظاهراً عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء
الشهر و انصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى
دنياهم و ملاهيهم و مكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين
هؤلاء ممن يحزنون و يستاؤن لانقضاء الشهر؟، بل من الذين
يجعلون السنة كلها صياماً و قياماً و عبادات وقربات، و
يحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات؟ فالله
يرحمهم فما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم و نزلت بالبيداء أبعد منزل
الخاطرة التاسعة:
يوم العيد
هناك من
يجعل يوم العيد و الأيام بعده أيام لهو و لعب و غناء و
طرب، و يجتمع الخلق الكثير و يعملون ولائم و ينفقون
الأموال الطائلة في إصلاح الأطعمة، و يسرفون في ما يصرفونه
من الأموال في اللحوم و الفواكه و أنواع المآكل التي
يعدونها للمغنين و أهل الزمر و اللهو، و يستعملون الضرب
بالطبول و إنشاد الأغاني الملحنة الفاتنة، و ما يصحبها من
التمايل و الطرب، و يستمر بهم هذا الفعل بضعة أيام، حتى
إنهم يسهرون أكثر الليل و يفوتون صلاة الصبح في وقتها و
جماعتها.
و لا شك أن هذه الأفعال تدخل في التحريم، و تجر إلى مفاسد
ما أنزل الله بها من سلطان، و تدخل في اللهو الذي عاب الله
أهله بقوله تعالى: ((و من الناس من يشتري لهو
الحديث))(لقمان:6). و في الوصف الذي ذم الله به أهل النار
بقوله: ((الذين اتخذوا دينهم لهواً و لعباً و غرتهم الحياة
الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم
هذا))(الأعراف:51).
فننصح من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، و أن
يحرص على حفظ وقته فيما ينفعه، و أن يبتعد عن المعاصي و
المخالفات، و أن لا يقلد أهل اللهو و الباطل و لو كثروا أو
كبرت مكانتهم.
و قد تقدم إباحة التدرب على السلاح و تعلم الكر و الفر و
ما يعين على الجهاد، كما فعل الحبشة في المسجد في يوم عيد
لقصد حسن، و ليس معه غناء و لا ضرب طبول و لا قول محرم، و
الله أعلم.
تابع خواطر
رمضانيه... |